رجلٍ بنى الغربة حجراً فوق حجر
لم تكن البداية في مكتبٍ فاخر، ولا في مشروعٍ كبير، بل في بيئة ريفية بسيطة في منطقة الباب بريف حلب، حيث تعلّم حسين علي العيسى، المعروف بـ«أبو علي العيسى»، منذ سنواته الأولى أن العمل ليس خياراً مؤجلاً، وأن الوقوف إلى جانب الأسرة مسؤولية تسبق الكثير من الأحلام.
وُلد العيسى عام 1974 ونشأ في قرية قصر البريد بريف حلب الشرقي، وسط أسرة كبيرة كان للوالد فيها الدور الأساسي في تأمين متطلبات الحياة. بدأ دراسته في مدارس الريف، ثم انتقل إلى مدينة حلب لمتابعة تعليمه، ووصل إلى المرحلة الثانوية، قبل أن تفرض الظروف المعيشية الصعبة نفسها، فيتوقف عن الدراسة ويتجه إلى العمل ومساندة والده وإخوته.
كانت الأسرة قد عاشت تجربة مختلفة في المملكة العربية السعودية، حيث عمل الوالد في مجال المقاولات وأسّس نشاطاً تجارياً هناك، قبل أن يعود إلى سورية ويدخل في مشاريع زراعية كبيرة. ومع تعقّد بعض الظروف، وجد الأبناء أنفسهم أمام مسؤولية حقيقية: أن يقفوا إلى جانب والدهم، وأن يعملوا معاً للخروج من المرحلة الصعبة.
وكانت تلك اللحظة نقطة تحوّل في حياة حسين وإخوته.
لم يكن الانتقال إلى العمل انتقالاً عادياً من الدراسة إلى المهنة، بل كان انتقالاً إلى عالم واسع من المسؤوليات والتجربة. ومع عودة أفراد الأسرة تدريجياً إلى السعودية، بدأ الأبناء باستكمال الأعمال التي كان الوالد قد أسسها، واضعين خبرتهم العملية موضع الاختبار.
في عام 1992 بدأت مرحلة جديدة في مسيرة حسين العيسى، فدخل عالم المقاولات بصورة أكثر مباشرة، مستفيداً من خبرات العاملين والمهندسين حوله، ومطوّراً العمل خطوة بعد أخرى. ومع مرور السنوات، لم يعد النشاط مقتصراً على تنفيذ الأعمال، بل توسع ليشمل مشاريع متكاملة في البناء والتشطيب والتسليم «على المفتاح».
وبحلول عام 2002، كانت ملامح المرحلة الجديدة قد بدأت تتضح؛ تنظيم أكبر، خبرة أوسع، ونشاط تجاري يتجاوز المقاولات إلى عالم مواد البناء.
دخل العيسى تجارة السيراميك والرخام، ثم نجح في بناء علاقات تجارية مع مصانع إسبانية، ليصبح وكيلاً وموزعاً حصرياً لعدد من المصانع في المملكة العربية السعودية، إلى جانب تأسيس صالات عرض وشبكة من الموزعين والعملاء، حتى وصل عدد الشركات والمؤسسات التي تعمل ضمن شبكة التوزيع إلى نحو 45 جهة.
وهكذا تحولت التجربة من مجرد عملٍ عائلي بدأ في ظروف صعبة، إلى منظومة أعمال تجمع بين المقاولات والتجارة والاستيراد والتوزيع، إضافة إلى ورش متخصصة في أعمال الرخام والتفصيل.
لكن ابن الريف، مهما ابتعد، تبقى عينه معلّقة بمكانه الأول.
فعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، كان وجود حسين العيسى في سورية محدوداً جداً، إذ بقي معظم وقته في السعودية، لكنه لم يفقد صلته بمنطقة الباب. ومع الوقت، بدأ يفكر في الاستثمار في المنطقة، فتوجه إلى الأراضي والزراعة، قبل أن يدخل قطاع الزيتون ويؤسس مشروعاً متخصصاً في عصر الزيتون وتجارة الزيت.
لم تكن التجربة سهلة في بدايتها. السنوات الأولى حملت الكثير من التحديات، لكن الإصرار والخبرة المتراكمة جعلا المشروع يتقدم تدريجياً، لتصبح المعصرة من المشاريع المعروفة في منطقة الباب، ولتحظى منتجاتها بحضور لدى التجار في حلب ومناطق أخرى.
ومع اتساع النشاط، انتقل العمل من مجرد عصر الزيتون إلى تجارة الزيت وتوزيعه، مع الحرص على توفير منتج مطابق للمواصفات ومضمون الجودة. ويشير العيسى إلى إمكانية تأمين كميات كبيرة من الزيت سنوياً، بما يفتح المجال أمام توسيع النشاط التجاري والوصول إلى أسواق ومناطق جديدة.
وككل مسيرة تحمل في داخلها الكثير من المخاطرة، لم تكن السنوات الماضية خالية من الخسائر. فقد واجهت أعماله، شأنها شأن كثير من الأنشطة الاقتصادية، ظروفاً قاسية وتحديات كبيرة، لكنه اختار أن ينظر إلى الخسارة باعتبارها جزءاً من التجربة، لا نهاية لها.
واليوم، يقف حسين العيسى أمام مرحلة مختلفة تماماً.
فبعد سنوات طويلة من العمل خارج سورية، يرى أن البلاد بحاجة إلى رجال الأعمال وأصحاب الخبرة القادرين على تحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع حقيقية، وأن مرحلة إعادة الإعمار لا ينبغي أن تكون مجرد فرصة استثمارية، بل مساحة للمساهمة في بناء الاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا جاءت عودته إلى العمل في سورية، حاملاً معه خبرة عقود من المقاولات والتجارة والاستيراد والتوزيع، ورغبة في بناء شراكات وتوسيع شبكة العلاقات وإطلاق مشاريع جديدة.
ويؤكد العيسى أن ما تحقق حتى الآن لا يزال في بدايته، وأن المرحلة الحالية هي مرحلة اختبار وتطوير، رغم وجود تسهيلات وخطوات إيجابية ساعدت على إطلاق الأعمال من جديد.
وفي خلفية هذه المسيرة، تبقى العائلة حاضرة بقوة؛ خمسة إخوة وثلاث شقيقات، جمعهم في مراحل كثيرة هدف واحد: مساندة الوالد، تجاوز الظروف الصعبة، ثم بناء مستقبل يعتمد على العمل المشترك.
واليوم، يشغل حسين علي العيسى منصب رئيس مجلس إدارة شركة «المتميز للرخام» في السعودية، التي تمتلك فروعاً وسجلات ونشاطاً تجارياً في المملكة، بينما تتجه رؤيته في سورية نحو مرحلة جديدة عنوانها التوسع والشراكة والاستثمار.
هي قصة بدأت من قرية في ريف حلب، وعبرت حدود المكان إلى السعودية، ثم عادت من جديد إلى سورية.
قصة رجلٍ لم يرَ في الغربة نهاية الطريق، ولا في صعوبة البدايات عذراً للتراجع؛ بل حوّل سنوات العمل والخبرة إلى رأس مالٍ حقيقي، ويطمح اليوم إلى وضع جزء منه في خدمة بلدٍ يرى أن إعادة بنائه تحتاج إلى من يملك الخبرة، والإرادة، والقدرة على المبادرة.